يدعو هٰذا المعرض إلى التأمُّل في تجلّيات التكراريّة بوصفها ركيزة جوهريّة في الطريقة التي نستوعب بها العالَم من حولنا ونتفاعل معه. نكرِّر أنفسنا دون انقطاع، بوعي ودون وعي — في الأفعال، والعودة إلى الأوضاع، الأماكن والصور؛ ونعود مرارًا وتكرارًا إلى الأخطاء ذاتها، حينًا عن اختيار، وحينًا آخر تحت وطأة الظروف، بل وبفعل العادة. التكرار يُنتج لنا استمراريّة ونظامًا في الزمان والمكان. وبين ثنايا حركته يتشكَّل إيقاع، ذاكرة ومعنى.
في الأعمال المعروضة في حيّز العرض، تعمل التكراريّة كمبدأ شاعريّ، مادّيّ وتكنولوجيّ مُدمَج في صميمها: حيّزات مُصوَّرة يُعاد بناؤها ببرمجيّات ثلاثيّة الأبعاد، أيقونات مألوفة تُصهَر في صورة جديدة، وأفعال تصليح تتكرَّر مرارًا، وبلاطات خزفيّة ذات أنماط تكون التكراريّة فيها شرطًا أساسيًّا. في سياق ذلك كلِّه، لا تُعرض التكراريّة بالضرورة بوصفها قسريّة أو مَرَضيّة، بل بوصفها منهج عمل، أداة تفكير، وطريقة لاحتواء واقع مُعقّد.
لا تسعى التكراريّة في هذه الأعمال نحو الكمال، بل تكشف الفجوات القائمة بين الأصل والتمثيل، وبين النيّة والنتيجة. وهي تعمل كتصليح وإحكام، أو بفعل القصور الذاتيّ دون غاية واضحة. وقد تُفضي إلى مُتعة، تمامًا كما قد تُسبِّب معاناةً.
قد تنبع التكراريّة من الداخل كدافع، حاجة وآليّة تسعى إلى تنظيم تجربتنا الحياتيّة الخاصّة. بيد أنّها في الآن ذاته تُفرَض علينا من الخارج أيضًا، حين تُعيدنا الأوضاع والمسارات السياسيّة، الاجتماعيّة، التاريخيّة باستمرار إلى أوضاع مشابهة. في هٰذا الزمان، يعيش الحيّز المحلّيّ تقلُّبات شتّى من حالات الطوارئ، العنف والحروب، التي تحافظ على مبنًى دوريّ عسير على الاختراق. تتجلّى التكراريّة بكامل قوّتها كنمط جمعيّ يتحرَّك فيه الزمان في حلقة مُفرَغة، والواقع يعجز عن اختراق حدوده.
لا يسعى هذا المعرض إلى إيجاد حلٍّ للوضع، أو اقتراح سُبُل للمضيّ قُدُمًا. بل يقترح التأمُّل في فعل يتكرَّر مرارًا ليتحوَّل إلى مبنًى ذي مضمون متأصِّل فيها. يدعونا المعرض إلى فحص كيف يمكن لتكرار الأشياء أن يُنتج حيّزًا من الشهيق والزفير، من التمسُّك والإطلاق.





