كل شيء يبدأ بظهور شبحٍ.
(جاك ديريدا)
أن نكون مسكونًا يعني أن تُجذب، أحيانًا رغمًا عنك وأحيانًا تحت وقع السحر، داخل المبنى العاطفيّ للواقع الذي نعيشه، ليس كمجرد معرفة نظرية، إنّما بشكل واعٍ من شأنه أن يغيّرك.
(أڤيري غوردون)
صمتك لن يحميك […] أيّ كلمات تنقصك بعد؟
في السنة الأخيرة، اجتمعنا نحن، تسعة فنانين وفنانات وقيّمتان، لتشكيل مجتمع فنيّ مؤّقت، يخوض سيرورة تعلّم مشتركة عن الأشباح، ومعها أيضًا . من خلال القراءات النظريّة واللقاءات الافتراضية في الاستوديوهات الخاصة بأفراد المجموعة، الألعاب، الطقوس، والأحاديث حول التجارب الحياتيّة، تشكّل لدينا صندوق أدوات وتبلورت لغة نخاطب بها الأرواح. نحن من يطاردها ليسكنها، وليس العكس، لأننا اخترنا المكوث في حضرتها بدلًا من طردها فورًا؛ قبلنا الإصغاء إليها من منطلق صدماتنا الشخصيّة والجماعيّة، وكلّ ما حاولنا نسيانه أو كبته أو السكوت عنه. إنّها تطلّ علينا من ذكرى طفوليّة، من حكاية عائلية، كتعبير مجازيّ، كعارض جسديّ مزعج في أحلامنا الليليّة. تهرب من أساطير الشعوب، من الماضي ومن المستقبل، تهمس في آذاننا، تدلّنا على الطريق، تقض مضجعنا، تفنى، ثم تحيا إلى جوارنا. في بعض الأحيان، لم تستجب لنداءاتنا، تاركة إيانا وحدنا أمام المسألة الأخلاقيّة المترتبة على دعوتنا لها، وأمام شغفنا شبه المستحيل ببلوغ الكمال. ومع تقدّم لقاءاتنا الأسبوعية، أخذت الأرواح التي استحضرناها تتجسّد في مادة تتشكّل على صورتها، وتتحدّث بلغة الفنانات.
يعتبر هذا المعرض جزءًا من تاريخ دوليّ قصير من المعارض المستوحاة من التحوّل الطيفيّ الذي انطلق من كتاب جاك دريدا “أطياف ماركس” (1993) حيث طرح دريدا مصطلح هونتولوجيا- علم الأطياف (Hauntology) -باعتباره خدعة لغويّة مرتبطة بكلمة “أونطولوجيا”: فبدلًا من أن نسأل “ماذا هناك؟” يرى دريدا أنّ الحاضر مسكون دومًا بما تم كبته أو إخماده في الماضي، أو ما كان مرتقبًا ولكنه لم يتحقّق لاحقًا.
السؤال “ما الذي يطاردك؟” والسؤال الملازم له “ما الذي يطاردنا؟” وضعانا في هذا الحيّز الجيوسياسي. شعرنا في أجسادنا، كما قال هاملت، كيف “انحرف الزمن عن مساره”، ومن خلال قراءات فلسفيّة لمفكرين ومفكرات كتبوا عن أشباح ماضينا غير المحسوم بعد، سعينا للربط بين ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا هنا بشكل مختلف، ولتوسيع نطاق نشاطنا ومقاومتنا.
النصوص أدناه مطروحة كقائمة قراءات متاحة لزائرات المعرض.
مسارات العمل والتفكير في هذا المعرض تبلورت بصورة تلقائيّة، نابعة من اللقاءات، دون أن تهدف إلى احتجاز أي روح، تسميتها، أو تحليلها وتحليل تجلياتها الفنيّة، بل تقبّل محاولات الأرواح لأن تسكن كينوناتنا العاطفيّة والفكريّة، كيونانتكم أننم. ستبقى حواف المعرض مفتوحة، لكي يستطيع الموتى والأرواح، وما لم يتكوّن بعد، أن يسكنوا في دواخلنا.
يفتتح المعرض العمل الإنشائيّ كريبت #9، المكوّن من لوح خشبي مضغوط ثبّتته الفنانة مايا دونيك على فوهة نافورة. تتشابك داخل هذا العمل الإنشائيّ تسعةُ تماثيل من الصلصال الأبيض، تحتوي على تراب جمعته من تسع مقابر، وأسنان ذهبيّة.
تتوسّط العمل الإنشائيّ إلى أن يفرّقنا الموت للفنانة ليلى عبد الرزاق، طابعة حرارية تُصدر بالتناوب: “الموت لليهود” / “الموت للعرب” في تدفق مستمر. يرافق الطابعة صوتٌ مُشوّه آليًا، يُكرر مرارًا وتكرارًا: “ارجع من حيث أتيت”. بترجمة خطاب الكراهية إلى حلقة ميكانيكية مستمرة، يكشف العمل عن آلية البيروقراطية في نزع الصفة الإنسانية.
تضع ميخائيلا في وسط حيّز العرض حجرًا ليثوغرافيًّا يعود إلى بافاريا، نقشت عليه صورة معالَجة لأدولف آيخمان، وقد تم تصويره من الخلف أثناء الاغتسال، وعلى الجانب الآخر نقشت الجملة الافتتاحيّة من الكوميديا الإلهيّة لدانتي.
في العمل الفنيّ بسمة، ترسم عائشة قادري بألوان زيتيّة أم جدتها وهي تغنيّ بين الحقول عند سفوح جبال الجليل، على مسمع قافلة من الرحّل القادمين من أعالي الجبال، والتي تتوقّف للاستماع إليها. تبدو الجدة وأفراد القبيلة ككائنات هجينة تدمج بين إنسان وجمجمة وحيوان.
تقدّم لنا ملاك منصور تمدّدتُ منكِ، جلدٌ منبوذٌ ومتشبّع، غارقٌ في هواءٍ ورديّ حلو ومنتفخ كالفقاعة الطافية: تمثال لأيّل مصنوع من ورق ألومنيوم وشمع، مشقوق ومنفلق في وسطه، وبجواره جداريّة مكوّنة من طبقات من الرسومات أشبه بالجذور.
في العمل الإنشائيّ سأدع الطيور تنقر قلبي، يدمج عومر بيري بين بنية تحتيّة نحتيّة مكوّنة من بقايا أثاث خشبيّ، وعملية الرسم على ورق صينيّ.
في العمل الأدائيّ في انتظار دوامة تدور الفنانة ومصمّمة الرقص غال ليفنسون وراقصة أخرى بوتيرة متناغمة، وبحركة دائريّة متواصلة، فوق قرص بلاستيكيّ، وحيز العرض محاط بسلسلة من الصور السريعة التي تلتقط الجسد بلحظات خاطفة قبل أن تصدر عنه صرخة. العمل الأدائيّ، الذي سيعرض في الأمسية الافتتاحيّة للمعرض، سيترك آثارًا ماديّة في الحيّز.
أشرعة الناي الصغير هما تمثالان للفنان دين بار، يحاكيان أشرعة هوائيّة، مصنوعة من ورق مرحاض، خيوط قطنيّة، قطع خشبيّة وناي صغير.
تعود رغد سواعد إلى جنازة عسكريّة أقيمت في قريتها بواسطة التلاعب بتدرجات اللون الأبيض في اللوحة جندي يحلم بزنابق بيضاء ومنحوتات لشواهد قبور متنقّلة، عليها أطواق نجاة.


















