أندي، ماثيو وروتي: تكريمًا لأرشيف الفيديو في مركز الفن المعاصر
لا يمكن الفصل بين قصة مركز الفن المعاصر وقصة أرشيف الفيديو الخاص به. بدأ الأرشيف يتشكل في أواخر تسعينيات القرن الماضي، عندما كان المركز لا يزال يعمل من غرفة صغيرة في سينماتك تل أبيب. في تلك السنوات، كانت معدّات تحرير الفيديو باهظة الثمن وغير متاحة، وكان الأرشيف يخدم الفنانين لا لمشاهدة الأعمال وحفظها فحسب، بل لتحريرها وإنتاجها أيضًا. وعلى مرّ السنين، تراكمت فيه آلاف الأعمال من مصادر متنوعة: من صناديق دعم المركز، ومن برامج العرض “توقيت محلي”، ومن بينالي الفيديو “فيديو زون” (VideoZone)، ومن الأنشطة المستمرة للمركز الذي أسسه وأشرف عليه سيرجيو إدلشتاين. وهكذا، تكوّن الأرشيف لا وفق سردية واحدة منتظمة، بل من سلسلة من الخيارات واللقاءات والمبادرات والظروف، ممثلًا بالتالي تاريخ الوسيط وتاريخ المركز نفسه معًا.
في هذا المعرض، وُجّهت دعوة لمجموعة من الفنانات والفنانين الشباب العاملين في وسائط متنوعة للاطلاع على المواد في الأرشيف، ومشاهدة الأعمال فيه، والتعرف على الأشخاص والقصص المرتبطة بتكوينه. لم تُحدّد لهم مهمة تمثيل الأرشيف أو تلخيصه، بل طُلب منهم تقديم قراءة معاصرة له: التوقف عند صورة أو مادة أو ذكرى؛ الإصغاء إلى ما حُفظ فيه وما غاب عنه؛ وفحص كيف يواصل جسدٌ تاريخيّ فعله وتحوّله واكتسابه معنًى في الحاضر.. النصوص التالية كتبها الفنانون أنفسهم، ويصف كلّ منها بطريقته لقاءه بالأرشيف وسيرورة العمل:
دافنا أميرة – The CCA Video Archive
أثناء مشاهدتي أعمال الفيديو في العلية حيث يُخزَّن الأرشيف، وجدتُ نفسي مهتمة بطابع الحيز الذي جلستُ فيه، وبفعل المشاهدة وترتيب المكان من حولي، أكثر من اهتمامي بهذا العمل أو ذاك. أعجبتني بعض الأعمال، لكنني حاولتُ أن أفهم كيف أقاربها ككلّ بالمجمل. في أحد اللقاءات الجماعية، التقينا سيرجيو إدلشتاين، الذي روى تاريخ الأرشيف، وحبه لفن الفيديو، ورغبته في ترسيخه داخل الحقل الفني المحلي. فوجئتُ باكتشاف أن مركز الفن المعاصر، حيث كنتُ أجلس في تلك اللحظة، بدأ في غرفة صغيرة مؤقتة في سينماتك تل أبيب. اجتمعت مجموعة من فنانات وفناني الفيديو لتأسيس الأرشيف، دون أن يعرفوا إلى أين ستقودهم هذه الخطوة.
كانت معدّات تحرير الفيديو آنذاك باهظة الثمن وغير متاحة. ولم يكن الأرشيف معدًّا لجمع الأعمال وحفظها فحسب، بل لإتاحة إنتاجها أيضًا، وليكون بمثابة غرفة تحرير. روتي سيلع، المسؤولة عن الأرشيف في حينه، تدربت على العمل ببرنامج التحرير الجديد وساعدت الفنانات والفنانين على تحرير أعمالهم في الحيّز.
أومضت قصة تأسيس المركز بما كنتُ أبحث عنه – الكلّ الذي يتجاوز مجموع أجزائه. بدأتُ أتخيل الغرفة وأبحث عن توثيق لها، ولو كان عرضيًّا، لكنني لم أجد شيئًا. بقيت آثار المكان متناثرة في ذاكرة من عملوا فيه وزاروه.
اتصلتُ بسيرجيو وطلبتُ منه أن يصفها: كيف بدت الغرفة؟ ماذا كان فيها؟ كرسيّ أم اثنان؟ ما نوع الأرضية؟ ما نوع الجدران؟ حاسوب؟ رفّ؟ أشرطة؟ لبعض الأسئلة كان ثمة إجابة قاطعة، وللبعض الآخر إجابات غامضة. أحالني سيرجيو إلى أشخاص آخرين ترددوا إلى الأرشيف، فتابعتُ البحث من شخص لآخر. تكررت الأسئلة، لكن الإجابات لم تتكرر بالضرورة. فمنهم مَن تذكّر أرضية من نوع معين، ومنهم مَن تذكر أرضية أخرى.
في البداية حاولتُ إجراء المقابلات بحياد نسبي، وأن أستقي قدر الإمكان من الذاكرة الشخصية دون الكشف عن تفاصيل محددة سمعتها من آخرين. لاحقًا بدأتُ بمقارنة الشهادات. ومن الأوصاف تكررت صورة عامة: جدران مكسوة بطبقة جصية خشنة لون الكريما؛ أرضية بلاط بيج، أو ربما سجادة؛ طاولتا فورمايكا رماديتان؛ كرسيّان مكتبيّان؛ خزانتان معدنيتان بلون البيج؛ حاسوبان وحامل أشرطة. غرفة صغيرة قُدّرت مساحتها بمترين في مترين ونصف – مؤقتة، ضيقة، وعملية.
التصوير ليس إعادة بناء تاريخية بالمعنى التقليدي. فرغم حضور التاريخ فيه، يكمن جوهر العمل في ما لم يوثَّق، وفي إمكانية المكوث في حيّز متخيَّل ضاع. نظر كلّ واحدة وواحد من الأشخاص الذين قابلتهم إلى المكان بطريقة مختلفة، وتذكروا الأشياء التي حملت معنى بالنسبة إليهم ونسوا تفاصيل أخرى. شكلت الشهادات المتراكمة صورة هشة للمكان، كاملة ومفكّكة في آن. في المواضع التي لم تتقاطع فيها الذكريات، تركتُ لأرشيفي المتخيَّل الحَسْم.
بنيتُ موقع التصوير في طابق المكاتب العلوي في المركز، بجوار أرشيف الفيديو الحالي. اندمج أرشيف الماضي بحاضره، وانصهر في السمات المعمارية للمبنى، حتى نشأ فضاءٌ هجين.
أدير كوهين
منذ بضعة أشهر وأنا أجمع الألواح الخشبية. أمشي، أتجول، أبدل الطرق المألوفة وأكتشف الأزقة؛ أنبش في حاويات النفايات، وأدخل إلى مواقع البناء وورش النجارة والبيوت القديمة، وأجمع الألواح في طريقي إلى الاستوديو. هي عوارض خشبية بأحجام مختلفة، معظمها قديم، جريح، مسمَّر، مقطوع، ومفقود – قطع لم تجد وجهتها. ويحمل بعضها بقايا الطلاء والخرسانة والرمل والجصّ والغبار ورائحة قديمة قوية.
المنظومة ثابتة: في كل مرة يتم تنفيذ العملية على لوح واحد، بفرشاة واحدة. تُطلى كل عارضة بألوان زيتية مخففة بزيت الكتان، فتعرض انتقالًا من الأزرق إلى البني. قد يكون الأزرق فاتحًا أو غامقًا، ثقيلًا أو ضعيفًا، فسفوريًّا أو عتيقًا؛ أما البني فيبسط مدى من الدرجات الدافئة والباردة والفاترة.
تحدد أبعاد كل لوح رسمًا طوليًّا للمناظر الطبيعية. على كل منها تُرسَم سماء وبحر ورمل وتراب وأرض، فيستدعي اللوح أفقًا ونقطة مراقبة وعمق المجال والوهم البصري. وتنال العناصر – الهواء والأرض والماء والنار – وزنًا متساويًا. إنها عيّنات من المناظر الطبيعية، وقطع من صورة، وأجزاء من خلفية.
مع اكتمال الرسم، يُسنَد اللوح إلى الجدار كإنسان متعب. وفي تراكم الألواح تنشأ لوحة منظر طبيعي مشوشة. تكمل العين الجزء الناقص فترى الصورة العامة حتى في غياب صورة كاملة. تتنقل من عارضة إلى أخرى، كيدٍ تعزف على البيانو وتقرأ النوتات من الأقوى إلى الأضعف.
نشأ هذا الفعل من مشاهدة أعمال من أرشيف الفيديو في المركز، ولا سيّما تلك التي تستحضر صورًا للحرارة والطقس والمادية المتغيرة وفصول السنة، وكذلك أفعال الطلاء والحركة في الحيّز. وكانت نقطة الانطلاق المركزية عمل سمادار درايفوس “منقذون” (2006). وفكرتُ لاحقًا أنه كما يراقب المنقذ المستحمّين، كذلك أراقب أنا أعمال الفيديو. هو يركّب صورة منظره، وأنا أركب صورتي – كما لو كنتُ أقرأ دليل استخدام.
في عمل درايفوس، ينفصل شريط الصوت عن المنظر البصري. في قناة واحدة يمكن قراءة وسماع نداءات المنقذ؛ وفي أخرى يظهر مشهد صامت للمستحمّين في الماء. ترددت تعليمات المنقذ في الاستوديو بينما كنت أطلي الألواح، وكأنها إرشادات إخراج لآلية العمل. استحضرتُ في ذهني المناظر الطبيعية الإسرائيلية وساحل تل أبيب: الحرّ، والضباب، والبحر الأزرق العَكِر والملوث، جموع المستحمّين في تموز وآب، مجموعات الأطفال والعائلات إلى جانب العوّامات الملونة.
هذا هو شكل الحشد الذي يميّز الصيف الإسرائيلي: فضاءٌ يتطلع فيه الجميع إلى الحرية والمتعة، لكن يتحقق فيه أيضًا نظامٌ وقوة وخطر وقانون وضبط. وبينما يحذر المنقذ من الأغراض المشبوهة، أفكر أنا في كرسيّي شاطئ مهجورين لزوج من العشاق. في الفرد الذي يحاول أن يكون اثنين. في الوحدة والترابط.
ليام شمبون | Boys Will Be Boys
يُعدّ وصول مواد من منظمة “بتسيلم” إلى أرشيف الفيديو في مركز الفن المعاصر حالةً استثنائية. فتوثيق صُوِّرَ في الأراضي المحتلة ويتناول علاقات القوة والعنف المؤسسي مفهرسٌ إلى جانب أعمال فيديو كلاسيكية. غير أن الأمر هنا لا يتعلق بإعادة صياغة للواقع، بل هو الواقع ذاته. كانت مشاهدة الواقع عبر كاميرا مثبّتة على الجسد أشدّ تأثيرًا عليّ من أي شيء آخر صادفته في الأرشيف. وقد أملى التنافر بين الاندفاع إلى الاشتغال بهذه الصور والنفور منها طريقةَ عملي. فالإيماءة الفنية تكاد تغتال نفسها، لكونها مدفوعة في اتجاهين متعاكسين.
اخترتُ من مقاطع الفيديو لقطات فردية – مشوشة، مبكسَلة، وأحيانًا موجهة نحو الشمس – تحمل روحًا موشّحة بالحنين من التسعينيات. واختيارها يقوّض جوهر مقاطع الفيديو التي أُخذت منها، ويخفي القشعريرة التي تثيرها. يتناول العمل البصريات والرؤية وحدودها: إلى أي مدى أنا مستعدّ أو قادر على أن أرى، وكيف أعالج ما أراه.
الصور المبكسلة هي لقطات قريبة خضعت للتكبير، ثم تُرجمت إلى حياكة محوسبة يجد فيها كل بكسل رقمي تعبيره في خيط مادي. ويتحول حدّ الدقة في هذه التقنية إلى حاجز إضافي في طريق الصورة إلينا. وحتى القماش نفسه، الذي يمتص الضوء، يُضعف قدرة الصورة على الإبهار.
ينبع العمل من نظرة أولى إلى جرح. صورةٌ تبثّ حنينًا، وأجواء التسعينيات، وروح المراهقة، وMTV – من شيء نازف. كما أنها تستحضر تاريخ الفن الإسرائيلي: عمل “جندي! جندي!” (1981) لموشيه غرشوني، الذي يلحم بين أجواء عسكرية ونزوة جنسية بلا لجام. وعلى مستوى آخر، تحت السطح، هناك الفنانة يهوديت ليڤين، التي يستند كثير من أعمالها إلى ذكرياتها من أحداث على الحواجز في مطلع الألفية الثانية، حين انضمّت إلى منظمة “محسوم ووتش”. أعمال تعمي أبصارنا لدرجة العجز عن رؤية الصورة على نحو يبقيها بريئة.
تماري پيري | Hereness
لا يمتلك أرشيف الفيديو في مركز الفن المعاصر سردية واحدة. فقد وصلت الأعمال إليه عبر سلسلة من الأحداث والخيارات والظروف: أحيانًا كمجموعات جُمعت عن قصد، وأحيانًا أخرى بمحض الصدفة. ومع السنين فُهرست معًا، حتى مع غياب المعلومات حول أصولها وسياق جمعها. ومن خلال الحوارات حول الأرشيف وتطوره والثغرات الموجودة فيه، بدأت صورته تكتسب طابعًا مجردًا.
يتوجّه العمل إلى مجموعة منتقاة من الأرشيف اختارتها بصورة مشتركة مجموعة الفنانين المشاركة في المعرض. شاهدنا الأعمال معًا، وأنا أتعامل معها الآن كمشتقّ يمثّل الكلّ – أشبه بلاوعي مشترك للمجموعة، يحمل شيئًا من روح الأرشيف بأكمله.
أسعى إلى الانفصال عن الصور والمكوث في الصوت الذي تنتجه. تُبثّ الأعمال في غرفة التحكم في المركز، وهي مغلقة أمام الجمهور. وأثناء عرضها أصغي إلى جدران الغرفة وأسجّلها بواسطة لاقطات – ميكروفونات تماسّ تلتقط الاهتزازات العابرة في المادة. الحاسوب يعزف الأعمال داخل الغرفة، والجدران تصغي إليها. والصوت الذي تمتصّه وتعيده يُنقل إلى صالات العرض.
أتعامل مع الأرشيف بوصفه جسدًا وأسعى إلى تحديد نبضه، كما تصغي السماعة الطبية إلى جسد حيّ. يخلق تسلسل الأعمال وتراكمُ الأصوات طبقةً جديدة: أشبه بخزّان جوفي للأرشيف، يخضع للمعالجة من خلال البنية التي تحويه. ومع أن الأرشيف لا يُرى بوضوح، فإنه يواصل الوجود كجزء من بنية المكان.
يُسمع الصوت في حيّزين وفي مستويين مختلفين. في مستوى المدخل، يبدو كهمسٍ خافت تحت الأرض؛ أما في المستوى العلوي، فيتراكم ليُشكّل فيضًا من المعلومات التي تبدأ بفقدان شكلها. لا يُعرَض الأرشيف كمكتبة من الصور، بل كمادة حيّة – جسدٍ خفيّ يبثّ حضوره عبر الجدران.
ليلى عبد الرزّاق | Nothing to Declare
يتألف العمل التركيبي من عدة شاشات موزّعة في أرجاء المعرض، تُعرض عليها مقاطع أَظهر فيها مرتديةً بدلة زينتاي خضراء. وباستخدام تقنية الكروما كي (الشاشة الخضراء)، يظهر الجسد في غرابته داخل الحيّز، وأحيانًا يُمحى ويُستبدل ويتفكّك، فيصير خلفيةً لصور وملمس وتدخّلات رقمية، ويغيّر شكله مرارًا وتكرارًا. الشخصية حاضرة ظاهريًّا على الشاشات، لكنها في الوقت نفسه تفلت من تعريف ثابت وواضح.
نشأ هذا العمل ليكون تكريمًا لعمل غيلي أفيسار “الغرفة الخضراء” (2015)، وخاصة إلى الروح اللعوبة والتجريبية والعبثية التي تميّز استوديو عمله. أتبنى الروح الحرة في ذلك العمل، لكنني أخرج من حدود الاستوديو، مرتدية البدلة الخضراء، وأتجول حول العالم، في البحر، في الحديقة العامة، وفي أماكن عامة مختلفة.
يخلق الجسد المخفي توترًا بين الظهور وإمكانية التعرف عليه وتحديد موقعه. ففي حقل فنيّ يُطلب فيه من الفنانين – ولا سيّما العاملين انطلاقًا من سياقات ثقافية أو سياسية معينة – أن يضعوا هويتهم أيضًا كجزء من العمل، تتيح البدلة الخضراء، ولو للحظة، تعليق علامات التعريف هذه. مفتاح الكروما ليس مجرد تأثير بصري، بل هو أيضًا وسيلة للتساؤل عما يحدث حين يرفض الجسد أن يكون معرَّفًا، أو مفكَّك الشيفرة، أو ممثّلًا لشيء يتجاوز ذاته.
قيّمات المعرض: هيلا كوهين شنايدرمان وتمار مرغليت
مساعدة البحث: كورال دڤير
يُقام المعرض بالتعاون مع مركز إدموند دي روتشيلد









